تحوّلت حماية الأطفال في البيئة الرقمية في إسبانيا من مجرد توصية إلى التزام قانوني. ينص قانون حماية القاصرين في البيئات الرقمية، الذي أُقرّ عام 2025، على إلزام جميع مصنّعي الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر والتلفزيونات الذكية بتضمين نظام رقابة أبوية مجاني يمكن الوصول إليه من خلال الإعداد الأولي للجهاز . ويأتي هذا الإجراء استجابةً لبيانات، مثل بيانات اليونيسف، التي تشير إلى أن 41% من الأطفال في سن العاشرة يمتلكون بالفعل هواتف ذكية متصلة بالإنترنت، وهو نضج مبكر، بحسب عالمة النفس مارتا بيرميخو، يُعدّ خطيرًا نظرًا لعدم نضجهم الكافي لإدارة المخاطر الرقمية.
لا تقتصر هذه اللوائح على الشركات المصنعة فحسب، بل تشمل أيضًا منصات الخدمات الرقمية، التي ستُلزم بتوفير أدوات رقابة أبوية مجانية. والهدف هو تمكين الأسر من تحديد أوقات استخدام الأجهزة، وتصفية المحتوى، والتواصل المستمر مع أبنائهم بشأن عاداتهم الرقمية ، وهو أمر يعتبره الخبراء بالغ الأهمية للوقاية من مشاكل مثل التنمر الإلكتروني، والإدمان الرقمي، وضعف القدرة على تحمل الإحباط. ويخول القانون الحكومة وضع لوائح فنية تحدد المواعيد النهائية ومواصفات الامتثال.
حركة عالمية نحو التنظيم
لا تنفرد إسبانيا بهذا النهج. فقد اتخذت فرنسا خطوة تاريخية بالموافقة في يوليو/تموز 2026 على حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عامًا، مع تطبيق تدريجي بدءًا من سبتمبر/أيلول. وكانت أستراليا رائدة في هذا المجال بتحديدها سنًا أدنى يبلغ 16 عامًا، اعتبارًا من ديسمبر/كانون الأول 2025، مع فرض عقوبات مباشرة على المنصات التي لا تتحقق من أعمار مستخدميها . وفي أمريكا اللاتينية، أصدرت البرازيل القانون رقم 15.211 لعام 2025، الذي يُلزم بربط حسابات القاصرين دون سن 16 عامًا بوصي قانوني، ويُلزم بآليات للتحقق من العمر وأدوات للرقابة الأبوية، مع غرامات تصل إلى 50 مليون ريال برازيلي.
على المستوى الأوروبي، يُرسي قانون الخدمات الرقمية إطارًا مشتركًا يتضمن حظر الإعلانات الموجهة للقاصرين والالتزام بتخفيف المخاطر. وقد بدأت دول مثل الدنمارك واليونان والبرتغال إجراءات لتعزيز قوانينها الوطنية ، بينما تفرض المملكة المتحدة، من خلال قانون السلامة على الإنترنت، واجبات حماية الطفل والتحقق من العمر لمنع الوصول إلى المحتوى الضار للغاية. والاتجاه واضح: فقد تحولت الطفولة الرقمية من شأن خاص إلى مسألة تتعلق بالصحة العامة والسيادة.
أدوات متكاملة وتحديثات حديثة
تُوفر منصات التكنولوجيا الرئيسية بالفعل ميزات الرقابة الأبوية، لكن القانون الجديد يُلزم بتضمينها افتراضيًا. ومن أمثلة هذه الأدوات: Google Family Link ، وScreen Time من Apple، وTikTok Family Sync، وملفات تعريف الأطفال على Netflix وDisney+، والتي تُمكّن المستخدمين من إدارة وقت استخدام الشاشة، وحظر التطبيقات، وتقييد المحتوى حسب العمر . وقد حسّن WhatsApp مؤخرًا من وضوح أدوات الرقابة الأبوية، بإضافة قسم مُخصّص في لوحة الإعدادات، ليتمكن البالغون من ربط حساباتهم بحسابات أطفالهم، وتلقّي إشعارات حول جهات الاتصال الجديدة أو تغييرات الإعدادات، دون الحاجة إلى الوصول إلى الرسائل الخاصة.
مع ذلك، يحذر الخبراء من أن مجرد تثبيت أدوات الرقابة الأبوية وإهمالها لا يكفي. يؤكد كارلوس فالس، الباحث في جامعة UCAM، أن الاحتياجات تتغير مع التقدم في السن، وأن تطبيق القيود نفسها على جميع الأطفال أو تحديد وقت استخدام الشاشة دون مراقبة التطبيقات التي يستخدمونها يقلل من فعالية الحماية . ينصح فالس بالحفاظ على روتين يومي ثابت طوال العام، والتفاوض على حدود الاستخدام مع المراهقين، وتقديم مثال جيد كبالغين من خلال تجنب تجاهل الأطفال للنظر إلى هواتفهم.
دور الذكاء الاصطناعي والتحديات الجديدة
يُضيف صعود الذكاء الاصطناعي بُعدًا آخر من التعقيد. فقد كشفت اليونيسف في يونيو 2026 أن ما لا يقل عن 20 مليون مراهق تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عامًا في عشر دول يستخدمون بالفعل أدوات الذكاء الاصطناعي ، وفي إسبانيا، يشير تقرير "أطفال الاتحاد الأوروبي على الإنترنت 2026" إلى أن ستة من كل عشرة قاصرين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقد دفع هذا الحكومة إلى الإعلان عن برنامج لمحو الأمية الرقمية للأسر بميزانية قدرها 140 مليون يورو. ويحذر الخبراء من فقدان القدرة على تحمل الإحباط والاعتماد المفرط على التكنولوجيا، ويدعون إلى تطوير أدوات الرقابة الأبوية القائمة على الذكاء الاصطناعي لتشمل مراقبة استخدام المساعدين الآليين، دون أن تحل محل التفاعل البشري.